التطرف بعيون شرقية

عانت العديد من الشعوب وما زالت من سرطان العنصرية القائمة على أساس التفرقة بين البشر. تأتي نتيجة للتفاخر بالأنساب والفروق المادية, الطمع والاستغلال, ومشاكل نفسية, إضافة الى  الجهل وعدم الوعي. هذه الأمور وغيرها الكثير أثارت في النفس البشرية خصال العنصرية, فساد الرفض والكراهية في المجتمعات, وفككتها وخلقت داخلها جوا من الحقد والخوف وعدم الاستقرار. وكما قالت الكاتبة أثير عبدالله النشمي: فإن العنصرية شوهت الأوطان في أعيننا دون ذنب ترتكبه الأوطان.

وتباعا أدت العنصرية إلى حالات من التطرف فنشأ عنها الأحزاب المتطرفة أو الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تسعى إلى التدخل في عمق المجتمع للحفاظ على تقاليد فئة معينة داخله, أو لاستمرارية إيديولوجية معينة خوفا من اندثارها. وكما تنشأ أيضا معادية لطرف كاليمين المتطرف في أوروبا الذي يتبنى تطرفا معاديا للمسلمين واليهود والأجانب, ولديه تمسك متطرف بالقيم الوطنية وبالهوية السياسية والثقافية واللغوية, ويتسم بميل شديد للمحافظة الدينية المسيحية. وغيرها الكثير من الأحزاب أو المجموعات المتطرفة التي تنشأ بهدف وصف موقعها في محيطها دفاعا عن أفكارها ومعتقداتها بطرق متزمتة وعدائية.

هكذا كانتا العنصرية والتطرف أسياد الموقف في شتى بقاع الأرض وخلفتا ورائهما عددا لا يحصى من شهداء حرب العنصرية, والتعصب لأيديولوجيات وأفكار ربما لا صحة لها…

ولأن التطرف نزعة بشرية أشبه بالسرطان لا يمكن استئصالها, ولأنها وجدت منذ قرون وتشبثت بالنفس البشرية, تحمل الكثير من المساوئ التي تفتك بالمجتمعات وتدمرها. ولكن لو تعمقنا للحظة في هذا التطرف وأوجدنا تطرفا يمكن له أن يكون هو الترياق الوحيد لإنقاذ العالم من وباء التفاخر والتفريق, ونداويها بالتي كانت هي الداء ” تطرف معاد للتطرف”. تطرف يحمل فكرة أسمى بكثير من تلك التي حملوها إلينا أسلافنا. ماذا لو كان يمينا متطرفا للثقافة؟

اليمين المتطرف للثقافة, ليس بمجوعة من الناس إنما هو فكرة على كل إنسان أن يتبناها وأن يجعلها الترياق للسم الذي اعتاد عليه, ألا وهو التطرف الأعمى, الذي اعتاد أن يكفّر في سبيل سمو فكرته. يقف هذا اليمين في وجه العنصرية, والتفريق بين البشر, ويوجه بوصلته نحو الجادة الصحيحة, جادة الثقافة والعلم والأدب والفكر السليم. وبالمقابل يخرج من دائرة الكفر والعداء لمجرد تبني أفكار هذا اليمين ويكون التكفير هنا على أساس الوعي الثقافي. فقد عرف العرب بتطرفهم للشعر الفصيح القائم على قواعد اللغة العربية التي لا يمكن اجتزاء أي جزء من هذه القواعد أو الزيادة عليها, وهذا بدوره تطرف لفكرة وثقافة معينة لا تمس أحدا, وتحث المتلقي على البحث أكثر في ثنايا هذا الشعر ولماذا يجب التعصب للحفاظ عليه. إضافة إلى أنه لا بد من المعرفة والتفرقة بين ما نؤمن به وما نكتسبه, ووجبت المقارنة بين ما نملكه من قناعة وما نكتسبه من بحر المعرفة, لأن لا شيء في هذا الكون يملك أحقية الصواب بشكل مطلق ولا حتى الخطأ بشكل مطلق. كما أن الثقافة تمكن الكيان الاجتماعي وتدعم تماسكه, فكلما غاص الانسان في بحره خرج من إطار المحدود إلى إطار التحديد, أي ما يريد أن يكون عليه وليس ما يملى عليه.

وفي هذا السياق, أذكر التعصب للغة العربية التي باتت تفقد مكانتها في العالم العربي. والتي يجب تكريسها في كل جوانب الحياة من علمية أكاديمية إلى ثقافية وسياسية وتعاملات يومية. والتعصب للغة هنا لا يجب أن يكون تعصبا أعمى, إنما هو انحياز لأخلاق وثقافة أنعم بها الله علينا وجعلها لغة لأعظم كتب العالم ألا وهو القرآن الكريم. كما عبر العديد من علماء الغرب عن روعة  وسحر هذه اللغة التي برهنت أنها أقوى من أية محاولة تسعى للإطاحة بها. وفي المقولة الشهيرة للإسباني فيلا سبازا: اللغة العربية من أغنى لغات العالم بل هي أرقى من لغات أوروبا لأنها تتضمن كل أدوات التعبير في أصولها، في حين الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وسواها قد تحدرت من لغات ميتة، وإني لأعجب لفئة كثيرة من أبناء الشرق العربي يتظاهر أفرادها بتفهم الثقافات الغربية ويخدعون أنفسهم ليقال عنهم أنهم متمدنون”. ببساطة أوضح “سبازا” ما كنت أرمي اليه, نبذ العربي للعربية وتبنيه اللغات الغربية, هذا يعني إنكاره التام لهويته وحضارته التي جاء منها. والتمدن لا يكون بإلغاء الهوية؛ إنما بكمية الثقافة والوعي الذي يحمله العقل البشري وكيفية استخدام المعلومات ومناقشتها في المكان والوقت المناسبين.

كما أننا اليوم وفي خضم الثورة الرقمية بات العالم أقرب إلى الفرد من أي وقت مضى, لذلك من الخطأ أن تستمر العنصرية على أساس العرق والفروقات البشرية التي أذن الخالق لها أن تكون كيفما يريد. بل على العكس يجب امتصاص هذه الفروقات والتعصب لها والمحاربة في سبيل الحفاظ على الاختلاف وإظهار الرقي الذي يجب أن يتمتع فيه كل فرد عند رؤيته شخصا يختلف عنه في الديانة واللون والفكرة.

وبالتالي يمكن استغلال هذا التطرف, أي التطرف الثقافي وتنميته للحصول على نتاج أدبي وفكري تسمو به المجتمعات وتزيد من رفاهية حياتها وبالتالي تبعث في داخل الفرد راحة نفسية ووعي يحد من غضبه تجاه أي فكرة معادية لقناعاته. وكما أسلفنا أن التطرف موجود لا محالة, فهو نزعة بشرية غير قابلة للاستئصال. ولكن باستطاعتنا تثمين فكرة التطرف بأفكار صحيحة قادرة على الإكثار من الإنتاج الفكري والأدبي ويكون النزاع هنا محمودا يؤدي بنا إلى مراحل أعلى من التطور الإنساني والحضاري والبشري. فالعيب ليس في فكرة التطرف إنما فيما نتطرف إليه.

هبة إسماعيل – موقع بكرا احلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *