تلفزيون الواقع.. تثقيف على هيئة ترفيه

هبة محمد إسماعيل

تلفزيون الواقع هو نوع من البرامج التلفزيونية بمشاهد تحتوي حياة اشخاص معينين دون نص مكتوب, تنقل واقع حياتهم وردود افعالهم الطبيعية. ويسلط الضوء على ظاهرة اجتماعية او نشاط بشري معين, يتبع الحياة اليومية لمجموعة من الافراد, سواء كانوا مشاهير او اشخاص عاديين, ينتخبون في اطار برنامج على شاكلة المسلسلات التلفزيونية. 

تعود نشأة تلفزيون الواقع الى مطلع سبعينيات القرن العشرين, حيث انتجت احدى القنوات الامريكية عام 1973 برنامجا تحت عنوان “الاسرة الامريكية” “An American Family”, عرض منه اثنا عشر جزءا وتناول العديد من المواضيع الشائعة والمحرمة منها في المجتمع كالشذوذ الجنسي, وكان يجمع بين المجالين الترفيهي والتثقيفي آنذاك. لاقى البرنامج متابعة واسعة شجعت القناة المنتجة على مواصلته، وفي العام1974  ظهرت نسخ بريطانية وأسترالية للسلسلة نفسها، ومع ذلك ظل تلفزيون الواقع محدود الانتشار ولا يتجاوز الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا.

وتلا هذا البرنامج العديد من البرامج الشبيهة ومن أشهرها America’s Funniest Home Videos الذي بدأ عام 1989  بناء على فكرة من برنامج ياباني. وفي نفس العام، أتى برنامج Cops عبر قناة Fox ليحدث نقلة في هذا المجال، حيث كان يُظهر عمل أفراد الشرطة باستخدامهم كاميرات محمولة تسجل مطارداتهم للمشتبه بهم. ومع مطلع الألفية الثالثة  برزت مسابقات موسمية تتطلب الحركة وأداء مهام بدنية؛ منها The Amazing Race ,Survivor Fear Factor . 

ولم يقف تلفزيون الواقع عند هذا الحد من البرامج بل تم انتاج اعداد لا تحصى من برامج تلفزيون الواقع التي اتسمت بعضها بالغرابة مثل “Born in the wild” حيث تختار العائلة مكان ما في البرية بعيدا عن اي مساعدة طبية, و”Alaskan Bush Family” وهم عائلة مكونة من تسعة أشخاص، قرروا الابتعاد عن كل مظاهر الحياة المدنية والعيش في إحدى المناطق البرية بآلاسكا.

 وتتالت من بعدها العديد من برامج تلفزيون الواقع حتى خرجت من اطار الدول الغربية لتجتاح الشرق الاوسط بعدة برامج كان لها صدى كبيرا في العالم العربي, ابرزها ستار اكاديمي النسخة العربية من برنامج هولندي, قسمة ونصيب  سلط الضوء على شباب وفتيات راغبين في الزواج ويبحثون عن شريك حياتهم, وهو النسخة العربية من برنامج قناة أن بي سي الأمريكية  Momma’s Boys . 

وفي محيط هذه الظاهرة التي نبعت منذ عقود نتيجة لمتغيرات العصر والمفاهيم, تجول العديد من الاسئلة التي لا بد من طرحها, وهي كيفية تفاعل المشاهد مع هذا النوع من البرامج؟ وما التأثير الذي يتركه تلفزيون الواقع على المشاهد؟ وهل تقف مشاهدة هذه البرامج عند حد السطحية ام انها تنعكس الى سلوك؟ 

وبحسب موقع الجزيرة  فان تلفزيون الواقع يطرح جملة من الإشكالات الأخلاقية، أولها إخضاع أشخاص للمراقبة بالكاميرا على مدار الساعة ولأسابيع طويلة،  وإن البث المباشر لنشاطات المشاركين لهذا الوقت الطويل لا يخلو من مخاطرة، فتصرفات المشاركين وأوضاعهم النفسية وعلاقاتهم فيما بينهم لا تخلو من انزلاقات وزلات لفظية أو تصرفات لا تناسب فئات من الجمهور. كما ان هذه البرامج لا تحمل المعنى الحقيقي لاسمها بحيث ان المشاركون فيها ملزمون بالتحرك وفق تعليمات فريق الاخراج الذي قد يتدخل أحيانا في السيناريو لاستبدال عبارة بأخرى أو لتوجيه أحد المشاركين بالتخلي عن إيماءة معينة لدلالتها الثقافية أو الاجتماعية. 

تركز هذه البرامج على قيم جمال المظهر والقيم المادية في الحياة على حساب القيم الروحية او الاخلاقية, وتصرف انتباه الشباب عن المشاكل الحقيقية في الواقع المحيط بهم ليعيشوا في عالم خيالي على انه الواقع, فينحرف تفكيرهم الى امور بالية كالثراء والسعادة الافتراضية بعيدا عن التركيز على الامور الاكثر اهمية في الحياة. 

وفي هذا السياق, فان تلفزيون الواقع لا يقتصر على اظهار الحياة اليومية للاشخاص المختارين, بل يذهب الى ما هو اعمق من ذلك ويخترق وعي المشاهد لينقل عادة جديدة يتقلد بها. كما يدعو ايضا  لكسر القيم والعادات والتقاليد التي نشأ عليها الفرد من خلال كسب تعاطف المشاهد مع الشخصية لتصبح مثلا يحتذى به. وبهذا فان تلفزيون الواقع يلغي بمضمونه السطحي فكرة المشاهدة فقط ويتحول الى سلوك جديد يمارسه المشاهد. وهكنا لا يكون تلفزيون الواقع مادة ترفيهية اكثر مما هي تثقيفية, بل العكس انه يحمل ثقافة جديدة تماما على هيئة ترفيهية. 

موقع بكرا احلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *