اللبنانيون في إسـ ـر/ئـ ـيل: قضية تتجاوز الحدود والجنسية

ملاك عطوي
منذ تحرير جنوب لبنان 2000، وما تبعه من تحولات كبرى أعادت رسم المشهد السياسي والأمني في البلاد، مرورًا بـحرب لبنان 2006 التي عمّقت الجراح ووسّعت دائرة الألم، لا يزال ملف العائلات التي غادرت لبنان برفقة جيش لبنان الجنوبي حاضرًا في الوجدان اللبناني، كقضية لم تُقفل بعد، بل ازدادت تعقيدًا مع مرور الزمن
قرابة ثلاثة آلاف عائلة لبنانية اختارت، الرحيل نحو شمال فلسطين المحتلة، حيث استقرت في المستوطنات الإسرائيلية.ومع مرور السنوات، حصل عدد من أفراد هذه العائلات على الجنسية الإسرائيلية، فيما لا يزال آخرون ينتظرون، في مشهد يعكس انتقالًا تدريجيًا من “مرحلة اللجوء” إلى “مرحلة إعادة تشكيل الهوية”.
لكن القضية لم تعد محصورة في أرقام أو أوضاع قانونية، بل باتت تمسّ جوهر الانتماء نفسه. فكيف يمكن لشخص أن يجمع بين جنسيتين في ظل صراع لم يُحسم؟ وكيف يُمكن التوفيق بين ذاكرة جماعية مثقلة بالخسائر، وبين واقع فردي يفرض خيارات قاسية ومعقّدة؟
الاستفزاز الأكبر في هذا الملف يظهر حين يخرج أحد هؤلاء في مقابلة إعلامية، متحدثًا بفخر عن حمله الجنسيتين اللبنانية والإسرائيلية. هذا التصريح لا يُقرأ في الداخل اللبناني كمسألة شخصية، بل كجرح يُعاد فتحه، وكأنه تجاهل لذاكرة آلاف العائلات التي دفعت أثمانًا باهظة خلال سنوات الاحتلال والحروب. وبالتالي، لا يمكن فصل هذا “الفخر” عن سياقه السياسي والأخلاقي، ولا عن كونه، في نظرهم، تكريسًا لخيارات يرونها خيانة وطنية.
أما مسألة العودة إلى لبنان، فهي أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. قانونيًا، يخضع هذا الملف لأحكام واضحة تتعلق بجرم التعامل مع العدو، ما يعني أن أي عودة محتملة تمر عبر القضاء والمحاسبة. لكن اجتماعيًا، يبدو المشهد أكثر تشددًا، حيث يرفض جزء كبير من اللبنانيين فكرة العودة، فالأرض التي ارتوت بدماء أبنائها لا يمكن أن تستقبل من ارتبط اسمه، بشكل أو بآخر، بمرحلة الاحتلال.
ورغم ذلك، تبرز بين الحين والآخر أصوات تدعو إلى مقاربة أكثر هدوءًا، تميّز بين الحالات الفردية، وتفتح الباب أمام نقاش أوسع حول العدالة والمصالحة. فهل يمكن للبنان، يومًا ما، أن يوازن بين حقه في المحاسبة وضرورة طيّ صفحة الماضي؟ أم أن هذا الملف سيبقى رهينة الذاكرة الجماعية، حيث لا مكان للنسيان؟
المؤكد أن القضية لم تعد مجرد فصل من فصول الحرب، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة المجتمع اللبناني على التعامل مع تاريخه، بكل ما فيه من تناقضات وآلام، في ظل واقع لا يزال مفتوحًا على احتمالات أكثر تعقيدًا في المستقبل.
موقع بكرا احلى




