Ad Promotion
خاص موقع بكرا احلى

حين يفقد الوسيط حياده… يسقط معنى التفاوض

نور حمية

في وقتٍ يُفترض فيه أن تسود لغة الحوار للوصول إلى حلولٍ مشتركة بعيدة عن العنف والإلغاء تتكثف على الأرض وقائع تناقض كل ما يُقال خلف أبواب المفاوضات وما يُطرح على الطاولات من أحاديثٍ عن تهدئةٍ محتملة برعاية وسيط. إلا أن الواقع الميداني يرسم صورةً مختلفة تماماً، ويطرح تساؤلاتٍ جدية حول جدوى هذا المسار التفاوضي وحدوده

فالضربات التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ليل أمس بالتزامن مع مسارٍ تفاوضي حساس تفتح الباب أمام أسئلةٍ مشروعة: هل ما يجري يُستخدم كورقة ضغطٍ سياسية على حكومةٍ يُقال إنها لا تملك قرارها السيادي الكامل؟ أم أن التصعيد الميداني ينسف فعلياً أي فرصة للوصول إلى تسويةٍ حقيقية؟

في القانون الدولي، يُفترض أن تكون الوساطة أداةً للتخفيف من التصعيد لا وسيلةً لمواكبته أو تغطيته وأي انحرافٍ عن هذا الدور يفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية ويحوّل الحديث عن الحلول السياسية إلى مجرد غطاءٍ لإدارة القوة والضغط العسكري بالتوازي مع طاولة الحوار

ومن هنا تتآكل الثقة أو ربما أصبحت معدومة لدى شريحةٍ واسعة من اللبنانيين الذين يرون أن دماء المدنيين والأبرياء تُستباح فيما تستمر اللقاءات والمفاوضات وكأن شيئاً لم يكن فكيف يمكن إقناع الناس بجدوى التفاوض فيما صور الدمار والضحايا ما زالت حاضرة، والدخان لم يتوقف عن التصاعد من الأحياء السكنية؟

إن المفاوضات المباشرة في جوهرها، ليست خيانة وطنية ولا تنازلاً عن الحقوق، بل هي أداة سياسية تُستخدم لوقف الحروب وحماية الشعوب إلا أن صورتها تتبدل حين تتحول إلى تفاوض يجري فيما يستمر القتل وسقوط الضحايا، وحين يشعر الناس أن الدم لم يجف بعد تحت الأنقاض

والأخطر من ذلك هو ما يُثار حول معرفة الوسطاء بهذه الانتهاكات أو تجاهلهم لها ما يدفع كثيرين إلى اعتبارهم أطرافاً غير مباشرين في النزاع بدل أن يكونوا جهات حيادية تسعى إلى وقف التصعيد

لبنان، الذي يدفع دائماً ثمن التناقضات الإقليمية والدولية، يجد نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يمكن بناء الثقة بمسار تفاوضي فيما يشعر قسم من اللبنانيين أن أمنهم وكرامتهم ودماء أبنائهم أصبحت أوراقاً على طاولة السياسة؟

كما أن الصمت الرسمي تجاه بعض التصريحات الخارجية التي تُعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية يزيد من حدة الانقسام الداخلي ويعمّق الشعور لدى البعض بأن القرار الوطني لم يعد مستقلاً بالكامل

في المحصلة ما يجري اليوم لا يضعف فقط فرص الوصول إلى حلول سياسية بل يعمّق فجوة الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من شعبها فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الغموض أو على موازين القوة وحدها، بل على الوضوح والعدالة والقدرة على حماية المدنيين ووقف نزيف الدم

ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للضحايا أن يثقوا بمسار تفاوضي فيما النار ما زالت مشتعلة والدماء ما زالت تُسفك والوساطات تبدو عاجزة عن فرض الحد الأدنى من الحماية للمدنيين؟

وفي ظل هذا المشهد المعقد يخشى كثيرون من عودة لبنان إلى مراحل دامية من تاريخه إذا استمرت الانقسامات الداخلية والتجاذبات الخارجية في دفع البلاد نحو مزيد من التصعيد والفوضى.

موقع بكرا احلى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى