العفو العام في لبنان… مصالحة وطنية أم تسوية سياسية؟

نور حمية
يعود ملف العفو العام في لبنان إلى الواجهة بعدما انتقل من مطلب شعبي وسياسي إلى مسار تشريعي داخل مجلس النواب في ظل توترات أمنية وانقسامات سياسية واجتماعية تجعل إقرار القانون أكثر تعقيدًا وتطرح علامات استفهام حول أهدافه وانعكاساته على العدالة والمصالحة الوطنية.
وفي هذا التقرير ناقشنا مع المحامي بالاستئناف الأستاذ طارق العبدالله الهدف الأساسي من قانون العفو العام وتوقيت إقراره والبدائل المتاحة وانعكاساته على العدالة والمصالحة الاجتماعية في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة.
العفو بين المصالحة الوطنية والتسوية السياسية
يُعد تحديد الجرائم التي سيشملها قانون العفو والاستثناءات الواردة فيه من أبرز نقاط الخلاف إلى جانب التباين السياسي حول الملفات التي يعتبرها كل فريق أولوية بالنسبة إلى قاعدته الشعبية.
ففي حين ترى كتل سياسية أن العفو العام قد يشكل مدخلًا لطي صفحة الانقسامات وتعزيز المصالحة الاجتماعية تعارضه أخرى بحجة أن مثل هذا القانون لا يحقق المصالحة الوطنية بل قد يزيد من حدة التوتر داخل البلاد.
ويبرز هنا الخلاف حول شمول بعض الملفات دون غيرها مما يثير مخاوف من أن يتحول العفو من مشروع للمصالحة الوطنية إلى تسوية سياسية خصوصًا إذا جرى التعامل مع الملفات وفق اعتبارات سياسية أو طائفية أو مناطقية.
حقوق الضحايا في مواجهة العفو
في المقابل يواجه مشروع العفو اعتراضات من أهالي الضحايا الذين لجأوا إلى القضاء طلبًا للإنصاف ويرفضون أن يشمل العفو مرتكبي جرائم خطيرة أودت بحياة أبنائهم معتبرين أن ذلك يمس حقوقهم ويقوض العدالة.
وتزداد حساسية هذا الملف في القضايا المرتبطة بضحايا الجيش اللبناني أو الجرائم الأمنية والإرهابية الخطيرة إذ إن أي عفو غير مدروس قد يثير مخاوف من تكريس الإفلات من العقاب.
فالمصالحة الوطنية لا تتحقق بمجرد إصدار قانون عفو بل تحتاج إلى قانون واضح ومعايير دقيقة تفصل بين الجرائم البسيطة والجرائم الخطيرة وتحمي حقوق الضحايا وتمنع تحويل العدالة إلى ورقة في التسويات السياسية.
معاناة الموقوفين وتأخير المحاكمات
في المقابل لا يمكن تجاهل معاناة الموقوفين والمحكومين ولا سيما مشكلة التوقيف الاحتياطي الطويل وتأخير المحاكمات وهي قضايا لا تخدم العدالة وتضعف ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
ومن هنا فإن معالجة أوضاع الموقوفين لا ينبغي أن تكون مرتبطة حصراً بالعفو العام بل يمكن اللجوء إلى بدائل قانونية وقضائية أبرزها تسريع المحاكمات ومعالجة التوقيف الاحتياطي والحد من الاكتظاظ في السجون إضافة إلى تخفيض العقوبات وغيرها من البدائل القانونية.
التحدي في مضمون القانون لا في توقيته
أما لناحية توقيت طرح قانون العفو العام فقد يكون مدخلًا لمعالجة ملفات إنسانية وقضائية متراكمة لكن إقراره يحتاج إلى صيغة وطنية موحدة وعادلة تصون حقوق الضحايا ولا تستثني أحدًا على أساس سياسي أو طائفي ولا تحوله إلى مادة جديدة للتجاذب السياسي.
فالعفو العام لا يرتبط بالجانب القانوني فقط بل يتداخل مع اعتبارات سياسية وقضائية وطائفية واجتماعية لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيت إقراره بقدر ما يكمن في مضمون القانون والاستثناءات التي يتضمنها.
عفو يعيد الثقة بالدولة أم يعمّق الانقسام؟
لا تعني المصالحة إلغاء العدالة أو تجاهل حقوق الضحايا كما أن العدالة لا تعني تجاهل الظروف الإنسانية والاجتماعية للموقوفين وعائلاتهم.
لذلك لا يُعد العفو العام الحل الوحيد الذي يمكن أن تلجأ إليه الدولة بل إن الحل الأكثر استدامة يكمن في إصلاح آلية المحاكمات وتسريعها ومعالجة التوقيف الاحتياطي والاكتظاظ واستخدام تخفيض العقوبات وغيرها من البدائل القانونية.
فالعفو لا يعالج التراكمات من جذورها إذا بقيت آلية القضاء على حالها.
وبعد إقرار قانون العفو العام وبقاء القانون بانتظار توقيع رئيس الجمهورية يبقى السؤال مطروحًا: هل بات إقراره النهائي مسألة وقت أم أن مرحلة التوقيع ستفتح الباب أمام نقاشات جديدة بين من يراه مدخلًا للإنصاف ومن يخشى أن يكون على حساب العدالة وحقوق الضحايا؟
فلبنان يحتاج إلى عفو يعيد الثقة بالدولة لا إلى عفو يخلق انقسامًا جديدًا وإلى مصالحة تحمي حقوق الضحايا وعدالة تراعي في الوقت نفسه الظروف الإنسانية للموقوفين وعائلاتهم.
موقع بكرا احلى




