خاص موقع بكرا احلى

من «ما قبل» إلى «ما بعد»… عامان على انكسار الزمن

 المهندس فراس البرجي

 

عامان مرّا منذ أن انكسر الزمن اللبناني إلى نصفين: ما قبل، و«ما بعد».

بدأ الشرخ من شاشات صغيرة انفجرت في الأيدي والجيوب، في 17 و18 أيلول 2024، قبل أن تتسارع الأيام كأنها خرجت من حساب الزمن الطبيعي. أجهزة النداء، الضربات المتلاحقة، سقوط قيادات، ثم الضربة التي ارتقى على إثرها سماحة السيد حسن نصرالله في 27 أيلول، وبعدها السيد هاشم صفي الدين. لم تكن تلك أسابيع عادية من حرب طويلة، بل عملية هدم سريعة لمرحلة كاملة بوجوهها وأدواتها ويقينها.
في «ما قبل»، كان هناك شيء يشبه الثبات. قيادة يعرفها الناس منذ عقود، معادلات قيل إنها أصبحت راسخة، صورة لقوة راكمت خبرتها منذ الجنوب وصولًا إلى حروب المنطقة. حتى الخصم كان يتعامل مع هذه البنية باعتبارها لاعبًا ثابتًا لا يمكن تجاوزه.

ثم جاء «ما بعد». والمشكلة في «ما بعد» أنه لا يسمح لأحد بأن يعيش طويلًا على أمجاد «ما قبل».
نعم، لم يؤدِّ اغتيال قائد أو مجموعة من القادة إلى اختفاء التنظيم. وهذه ليست مسألة عاطفية، بل حقيقة مرتبطة ببنية تراكمت لعقود، وهو ما أشار إليه محللون منذ الأيام الأولى بعد اغتيال سماحة السيد. لكن الحقيقة الأخرى، التي لا يفيد الهروب منها، أن الضربات أصابت القيادة والاتصالات والقدرة على المبادرة، وفتحت أسئلة ثقيلة عن الاختراق الأمني، وعن قراءة نوايا العدو، وعن الفارق بين امتلاك القوة وبين القدرة على حمايتها واستخدامها في اللحظة المناسبة.
الوفاء للذين رحلوا لا يعني تحويل التجربة إلى نص مقدس لا يُراجع. ربما يكون العكس هو الصحيح.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد خسارة بهذا الحجم هو أن تتحول الذاكرة إلى بديل عن المراجعة، وأن يصبح تكرار لغة الأمس وسيلة للهروب من أسئلة اليوم.

ما الذي انكشف؟ أين أخطأت الحسابات؟ كيف استطاع العدو الوصول إلى هذا العمق؟ أي جزء من منظومة الردع بقي قائمًا، وأي جزء كان يحتاج أصلًا إلى إعادة بناء؟ وهل كانت بعض المسلمات التي حكمت السنوات السابقة لا تزال صالحة في حرب أصبحت فيها المعلومة والذكاء الاصطناعي والاستطلاع والاختراق التقني جزءًا من السلاح نفسه؟
هذه الأسئلة ليست خروجًا على الخط، بل شرطًا لعدم خسارة الخط نفسه.
بعد عامين، لم يعد المطلوب إثبات أن الناس استطاعوا تحمّل الصدمة. لقد تحمّلوها. ولم يعد المطلوب إثبات أن غياب الرجال لا يمحو القضية التي حملوها. هذا أيضًا أثبتته الأيام.

السؤال الأصعب هو: ماذا تعلّم «ما بعد» من سقوط «ما قبل»؟
فالخصم الذي استطاع أن يغيّر قواعد اللعبة مرة، سيحاول أن يغيّرها مرة ثانية. والجهة التي تريد أن تبقى جزءًا من معادلة لبنان والمنطقة لا يكفيها أن تكون صاحبة تاريخ ثقيل، بل عليها أن تكون أسرع من التاريخ نفسه.
عامان على «ما بعد»، وما زالت المرحلة تبحث عن تعريفها.
ربما لأن بعض الرجال يغيبون في يوم واحد، أما الأزمنة التي صنعوها فلا تنتهي بهذه السهولة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى