Ad Promotion
بأقلامهم

حين ينهض الجنوب من الرماد … الجنوب ولد للسلام .. بيروت تستعيد نبضها و غزة تنتظر الفجر

راشد شاتيلا

هناك لحظة في حياة الشعوب تتجاوز فيها الأسئلة حدود الحرب، فلا يعود السؤال: من انتصر ومن خسر؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا سنفعل بكل ما خسرناه؟

في الشرق الأوسط، تراكمت الحروب حتى أصبح الدمار مشهداً مألوفاً، وأصبح الخوف جزءاً من حياة أجيال كاملة. من الجنوب اللبناني إلى غزة، ومن بيروت التي عرفت الحرب والانهيار والأزمات، تبدو الجغرافيا مختلفة، لكن الوجع واحد: إنسان يريد أن يعيش بأمان، وأن يبني منزلاً لا يخشى فقدانه، وأن يرسل أبناءه إلى المدرسة من دون أن يفكر في الحرب المقبلة.

لهذا، فإن الحديث عن المستقبل يجب ألا يبدأ بالسلاح، بل بالإنسان. فالحرب قد تنتهي في لحظة، لكن آثارها تبقى في البيوت والاقتصاد والمدارس والذاكرة، وأحياناً في أحلام الشباب الذين يقررون أن مستقبلهم قد يكون في مكان آخر.

المستقبل الذي يستحقه الشرق الأوسط ليس مستقبلاً خالياً من الخلافات، فهذا غير واقعي، بل مستقبلاً تكون فيه الخلافات قابلة للحل من دون أن تتحول كل أزمة إلى حرب.

الجنوب اللبناني لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يثبت صموده. لقد دفع أهله أثماناً كبيرة، وتحملت قراه آثار سنوات من التوتر والدمار وعدم الاستقرار. وما يريده أبناء الجنوب في النهاية ليس أن يعيشوا دائماً في انتظار الجولة المقبلة، بل أن يزرعوا أرضهم، ويفتحوا متاجرهم، ويرسلوا أبناءهم إلى مدارسهم، ويبقوا في قراهم لأن الحياة فيها ممكنة.

ومن هنا، فإن مستقبل «اليونيفيل» يجب أن يكون مهم . وجود القوة الدولية ليس بديلاً عن الدولة اللبنانية، كما أن رحيلها لا ينبغي أن يكون هدفاً بحد ذاته إذا لم تكن الدولة مستعدة لتحمل مسؤولياتها كاملة.

السؤال الحقيقي هو: كيف ينتقل لبنان من الاعتماد على ترتيبات مؤقتة إلى دولة قادرة على حماية حدودها وتثبيت أمنها؟

الإجابة تبدأ بجيش لبناني قادر على الانتشار، ومؤسسات قوية، ودعم دولي، واقتصاد يستطيع تمويل الدولة، وقرار سياسي يجعل الجنوب جزءاً من مشروع الدولة لا ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

عندها فقط يمكن أن يتحول الجنوب من عنوان للأزمة إلى نموذج للتنمية والاستقرار.

وبين الجنوب وغزة، تقف بيروت.

هذه المدينة ليست مجرد عاصمة على الخريطة. إنها ذاكرة لبنان، وواجهته الثقافية، ومركز جامعاته وإعلامه واقتصاده، ومدينة لطالما استطاعت أن تجمع في شوارعها تنوعاً لبنانياً وعربياً نادراً.

لكن بيروت دفعت ثمناً باهظاً من الحروب والأزمات والانهيار الاقتصادي وتراجع الثقة بالمؤسسات. ومع ذلك، بقيت فيها قدرة استثنائية على النهوض.

بيروت لا تحتاج إلى معجزة؛ تحتاج إلى دولة تعمل.

تحتاج إلى كهرباء مستقرة، ونقل عام حديث، وبنية تحتية تليق بعاصمة، وبيئة أفضل، واقتصاد رقمي، واستثمارات، ومساحات للشباب، ومؤسسات قادرة على استعادة الثقة. تحتاج إلى أن تعود مدينة يستطيع فيها الطالب أن يتعلم، والشاب أن يعمل، ورجل الأعمال أن يستثمر، والفنان أن يبدع، والعائلة أن تعيش بكرامة.

وأهم ما تحتاجه بيروت هو ألا يضطر أبناؤها إلى الاعتقاد بأن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا خارج لبنان.

فإذا استعادت بيروت دورها، يمكن أن تصبح من جديد جسراً بين لبنان والعالم، ومركزاً للتكنولوجيا والتعليم والثقافة وريادة الأعمال في المنطقة.

بيروت ليست مدينة تنتظر من ينقذها؛ إنها مدينة تنتظر دولة تتيح لها أن تنهض.

أما غزة، فقد أصبحت واحدة من أقسى صور المأساة الإنسانية في المنطقة.

وراء كل رقم إنسان، ووراء كل منزل مدمّر عائلة، ووراء كل مدرسة مغلقة طفل ينتظر أن يعود إلى مقعده، ووراء كل مستشفى متضرر مريض ينتظر العلاج.

لهذا لا يمكن أن يكون التعامل مع غزة مجرد إدارة لأزمة إنسانية متواصلة. الغذاء والماء والدواء ليست أوراقاً سياسية، وحماية المدنيين ليست تفصيلاً في أي تسوية.

المطلوب هو وقف دائم للحرب، ووصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وإعادة بناء الخدمات الأساسية، وفتح أفق سياسي يسمح للعائلات ببناء مستقبلهم.

وهنا تصبح مسؤولية القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أكبر من مجرد الوساطة. النفوذ الحقيقي لا تُقاس قيمته بقدرته على التأثير في الحرب فقط، بل بقدرته على منع الحرب المقبلة.

ولا يمكن إعادة بناء غزة بالإسمنت وحده. يجب إعادة بناء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطاقة والاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل للشباب، وإعادة الأمل إلى جيل كامل لا ينبغي أن يرث الحرب باعتبارها قدره الوحيد.

بعد كل حرب، تظهر صورة الأنقاض بوضوح. لكن هناك أنقاض لا تظهر أمام الكاميرات: اقتصاد توقف، طالب انقطع عن دراسته، مزارع فقد أرضه، صاحب متجر فقد مصدر رزقه، وشاب بدأ يفكر في الهجرة لأنه لم يعد يرى مستقبلاً في وطنه.

لذلك يجب أن تكون إعادة الإعمار مشروعاً للإنسان قبل أن تكون مشروعاً للأبنية.

في الجنوب اللبناني، يمكن أن تتحول عملية النهوض إلى فرصة لبناء قرى أكثر استدامة: الطاقة الشمسية، الزراعة الحديثة، شبكات المياه الفعالة، البنية الرقمية، دعم المؤسسات الصغيرة، وتشجيع الاستثمار المحلي.

وفي غزة، يمكن أن تصبح إعادة بناء البنية التحتية بداية لاقتصاد جديد إذا ارتبطت بالصحة والتعليم والطاقة والمياه وفرص العمل.

وفي بيروت، يمكن أن يكون الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم وريادة الأعمال طريقاً لاستعادة دور العاصمة كمركز اقتصادي وثقافي إقليمي.

فالمدينة الناجحة ليست المدينة التي تملك أكبر عدد من الأبراج، بل المدينة التي تمنح أبناءها أكبر عدد من الفرص.

السلام الحقيقي ليس أن تتوقف الطائرات عن التحليق، أو أن تصمت المدافع لفترة.

السلام هو أن ينام الطفل من دون خوف.

أن يعود المزارع إلى أرضه.

أن يفتح الطبيب عيادته.

أن يدخل الطالب مدرسته.

أن يستطيع الشاب أن يخطط للزواج والعمل والسكن من دون أن يسأل نفسه: هل سأضطر إلى الهجرة؟

السلام هو أيضاً دولة قوية تحمي مواطنيها، ومؤسسات تحاسب من يخرق القانون، وحدود محمية، واقتصاد قادر على توفير حياة كريمة.

في لبنان، يجب أن يكون الهدف واضحاً: دولة واحدة قادرة على حماية جميع أبنائها، وجيش قادر على أداء مسؤولياته، ومؤسسات تستعيد ثقة الناس، وجنوب يعيش في ظل الاستقرار والتنمية.

وفي غزة، يجب أن يكون الهدف إنهاء الحرب، حماية المدنيين، إعادة بناء الحياة، وفتح طريق سياسي يضمن أن لا تكون إعادة الإعمار مجرد استراحة بين حربين.

ربما حان الوقت لأن نغيّر الطريقة التي نتحدث بها عن الشرق الأوسط.

بدلاً من أن نقيس تاريخ المنطقة بعدد الحروب، فلنقسه بعدد المدارس التي فتحت أبوابها.

بدلاً من أن نتحدث عن الانتصارات العسكرية، فلنسأل عن عدد الأطفال الذين عادوا إلى منازلهم.

بدلاً من أن نحتفل بإعادة بناء الحجر، فلنسأل كم شاباً وجد سبباً للبقاء في وطنه.

الجنوب اللبناني يستحق أن يكون أرضاً للسلام والعمل.

وغزة تستحق أن تستعيد الحياة والكرامة والأمل.

وبيروت تستحق أن تستعيد مكانتها كمدينة عربية منفتحة، نابضة بالعلم والثقافة والاقتصاد والإبداع.

والشرق الأوسط كله يستحق أن ينتقل من جغرافيا الخوف إلى جغرافيا الفرص.

لن يكون ذلك سهلاً، ولن يحدث في ليلة واحدة. لكنه يبدأ عندما يصبح الإنسان هو مركز السياسة، وعندما تصبح الدولة أقوى من الفوضى، والدبلوماسية أقوى من الحرب، والتنمية أقوى من الدمار، والأمل أقوى من اليأس.

فالشعوب لا تحتاج إلى حرب جديدة كي تثبت أنها صامدة.

لقد أثبتت ذلك بما يكفي.

ما تحتاجه هو وطن يستطيع أبناؤه أن يحلموا فيه، ودولة تحمي أحلامهم، وسلام لا يطلب منهم أن ينسوا جراحهم، بل يمنحهم فرصة لأن يحولوا تلك الجراح إلى بداية جديدة.

وربما يكون السؤال الأهم في الشرق الأوسط اليوم ليس: كيف ننتصر في الحرب؟

بل: كيف نبني مستقبلاً لا يحتاج فيه أبناؤنا إلى خوضها من جديد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى