Ad Promotion
خاص موقع بكرا احلى

قراءة في التفجير والتجريف: حين يتحول الركام إلى ذاكرة ويصبح الإعمار فعل الـ.  ـمـ.  ـQـ./

المهندس فراس البرجي

 

لا يمكن قراءة تجريف وتفجير قرى الجنوب اللبناني إلا كفعل إبادة عمرانية متعمدة (Urbicide)، يتجاوز التكتيك العسكري المباشر ليستهدف تفكيك الهوية المكانية واستئصال الذاكرة الجمعية المتوارثة. هذه القرى، بتنظيمها الحضري العضوي، وأزقتها التي تلتف حول الساحات ونقاط اللقاء المشتركة، وعمارتها التي نمت كجزء طبيعي من تضاريس التلال، تمثل نسيجا مورفولوجيا يشهد على تجذر تاريخي عريق. يحاول المعتدي عبر سياسة الأرض المحروقة فرض فراغ جغرافي مصطنع وكسر الرابط بين الإنسان ومحيطه الحيوي، متوهما أن تسوية المنازل بالأرض قادرة على محو الجغرافيا، وغافلا عن أن العمران الجنوبي ليس كتلا خرسانية صامتة، بل هو تعبير مادي عن هوية راسخة تنبثق من الأرض نفسها.
من الناحية الاجتماعية والثقافية، لا يمثل البيت في الجنوب مجرد حيز فيزيائي للسكن، بل هو بنية اجتماعية تقوم على التكافل والتضامن المترسخ، والمشبع بثقافة النهج المقاوم وقيم التضحية والشهادة. هذا المجتمع، الذي ارتبط بترابه عبر عقود من الصراع والعمل الدؤوب، يمتلك وعيا فطريا يُسقط أوهام كسر الإرادة بالتهجير، حيث يُعد الحفاظ على الأرض واجبا مقدسا وجزءا لا يتجزأ من التكليف الإنساني والديني. هنا تصبح البيئة الحاضنة للمقاومة نسيجا متماسكا يصعب اختراقه، لأنها تعتبر المعركة معركة وجود وكرامة، فيتحول الصبر الاجتماعي والشعبي إلى ركيزة موازية لثبات المقاتل في الميدان.
فلسفيا، يطرح فكر المقاومة الإسلامية رؤية أصيلة للسيادة والمكان، ترفض التسليم بالهيمنة الاستعمارية وتعتبر أن الجغرافيا ليست مساحة مساومة، بل هي ساحة لحسم الصراع بين الحق والباطل. الركام في هذا المنظور لا يُقرأ كعلامة انكسار، بل كشاهد مادي على جريمة المعتدي ووثيقة تدين محاولات سلخ أهل الحق عن بيئتهم. إن فلسفة المقاومة تعيد تعريف القوة والردع، مؤكدة أن القصف والتدمير عاجزان تماما عن إلغاء حقيقة الانتماء، وأن التضحيات الجسام ليست ثمنا عابرا، بل هي استثمار تاريخي يؤسس للتحرير الكامل ويصون مستقبل الأجيال وكرامتها.
من زاوية التخطيط المستقبلي والعمران، يشكل هذا الركام المخاض الذي يسبق نهضة عمرانية متجددة وأكثر ثباتا. إعادة الإعمار في نهج المقاومة ليست مجرد تشييد للمباني وتعبيد للطرق، بل هي فعل مقاوم بحد ذاته، ورسالة تفوق حضاري تعيد إحياء المشهد القروي بروح معاصرة متمسكة بأصالتها وتراثها المعماري. القرى التي سويت بالأرض ستعود لتنهض من جديد، حاملة ذاكرة التحدي وأسماء الشهداء، لترسخ واقعا لا يقبل الإلغاء، وتؤكد أن البناء على أرض دُفعت أثمانها دما وإيمانا هو بناء باق وراسخ في عمق التاريخ.

موقع بكرا احلى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى