Ad Promotion
خاص موقع بكرا احلى

دبلوماسية “الرجل المجنون” في السياسة الأميركية: حالة ترامب وإيران … قراءة تحليلية لخطاباته!

جعفر المذبوح 

أصبح من الملاحظ أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتمد أسلوبًا خطابيًا يخلط بين التنمّر والاستقواء وأحيانًا يحمل في طيّاته نوعًا من الفكاهة الوقحة، ما يجعل القارئ يشعر أن ترامب شخص مشوّش وغير موزون لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالرجل يمثّل أكبر قوة عسكرية واقتصادية وسياسية في العالم، وما يصدر عنه بصفته رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية — حتى لو كان لفظيًا — يترك أثرًا كبيرًا على مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، ويضع دول العالم في حالة ترقّب وحذر، خصوصًا في هذه المرحلة الزمنية التي شهدت خلال سنوات قليلة كسرًا واسعًا للقواعد والأعراف الدولية

لذلك سنقوم بتقييم وتحليل لخطابات الرئيس ترامب وما تحمله في طيّاتها، ولا سيما في ما يتعلّق بالتوتر القائم مع الجمهورية الإسلامية في إيران

أولًا: الإطار النفسي–السياسي لسلوك ترامب

في علم النفس السياسي–الاجتماعي، لا يُنظر إلى أسلوب ترامب بوصفه “عشوائية”، بل يُصنَّف ضمن أنماط مدروسة لها تسميات علمية دقيقة أدق توصيف لسلوكه في تصريحاته المتناقضة حول إيران هو أنه مزيج من عدة مفاهيم معروفة:

1 – الغموض الاستراتيجي المتعمَّد (Strategic Ambiguity)

التعريف:
تعمد الفاعل السياسي إصدار رسائل غير متسقة ظاهريًا بهدف إبقاء الخصم في حالة عدم يقين معرفي ومنع تشكّل توقعات مستقرة، ما يوسّع هامش المناورة السياسية والعسكرية

التطبيق على حالة ترامب:

  • تصريح تهديدي شديد يرفع منسوب الردع

  • يليه تصريح تصالحي يفتح باب التفاوض

ما يضع الخصم (إيران) في حالة عجز عن تحديد النية الحقيقية: هل القادم تصعيد أم صفقة؟

2 – دبلوماسية الرجل المجنون (Madman Theory)

تعريفها العلمي :
إظهار القائد وكأنه غير قابل للتنبؤ وقد يتخذ قرارات غير عقلانية، ما يدفع الخصم إلى المبالغة في تقدير أسوأ الاحتمالات، فيصبح أكثر حذرًا واستعدادًا لتقديم تنازلات.

والفرق بين هذه الاستراتيجية والجنون الحقيقي أن هذا أداء سياسي واعٍ وليس اضطرابًا نفسيًا.

3 – الإرباك المعرفي المقصود (Cognitive Overload Strategy)

الآلية:
ضخّ تصريحات متناقضة بسرعة عالية يؤدي إلى:

  • إنهاك دوائر التحليل لدى الخصم

  • تعطيل بناء سردية مضادة مستقرة

  • تشتيت مراكز القرار بين سيناريوهات متعددة

4 – التأطير المزدوج المتناقض (Double Framing)

ترامب يخاطب جمهورين مختلفين في آن واحد:

  • الداخل الأميركي (القاعدة الشعبوية)

  • الخارج (إيران، الحلفاء، الأسواق)

فكل تصريح يخدم إطارًا نفسيًا مختلفًا حتى لو تعارض ظاهريًا.

5 – التلاعب بإدراك المخاطر (Risk Perception Manipulation)

التناقض لا يهدف إلى توضيح الموقف بل إلى تضخيم الخطر عند الخصم، مع إبقاء كلفة الخطأ لديه مرتفعة جدًا.

ثانيًا: ماذا تعني هذه الاستراتيجية تجاه إيران؟

الخلاصة أن الأسلوب الذي يعتمد عليه ترامب هو غموض استراتيجي مدعوم بدبلوماسية الرجل المجنون والتشويش المعرفي المقصود، وليس ترددًا أو ارتجالًا كما يعتقد كثيرون، بل أداة ضغط نفسي–سياسي عالية الكلفة على الخصم.

وهنا يبرز السؤال الأهم:
هل يدل هذا الضغط الإعلامي والسياسي على اقتراب تنفيذ عمل عسكري ضد إيران؟

ثالثًا: أين تقف الولايات المتحدة الآن؟

في المنهج الأميركي نحن أمام مرحلة ما قبل القرار النهائي وليس بعده.
تحذير الدول الغربية لمواطنيها ليس إجراءً إعلاميًا، بل إجراء أمني–قانوني يصدر عندما تصبح السيناريوهات العسكرية مطروحة فعليًا، كما يُستخدم أيضًا كغطاء قانوني لتخفيف المسؤولية السياسية لاحقًا.

رابعًا: ماذا عن إسرائيل؟

إسرائيل لا تتحرك عادة وفق “الضجيج الأميركي”، بل وفق مؤشرات استخبارية عملية.
لكن يجب التمييز بين:

  • الاستنفار الوقائي

  • الاستنفار الهجومي

وما نشهده حاليًا أقرب إلى استنفار وقائي مرتفع مع جاهزية هجومية جزئية، أي استعداد لردّ إيراني محتمل، لا بالضرورة استعدادًا لإطلاق الضربة، مع جهوزية لمساندة أي هجوم أميركي محتمل.

خامسًا: هل نحن على أعتاب حرب؟

في النمط الأميركي، قبل أي ضربة كبيرة ضد دولة إقليمية كبرى، يحصل دائمًا:

  • تضخيم الغموض

  • تناقض مقصود في التصريحات

  • فتح باب “الفرصة الأخيرة” للتراجع

لكن الضربة ليست مؤكدة بعد لأن:

  • لا يوجد إجماع سياسي داخلي أميركي

  • الكونغرس غير مهيّأ

  • الرأي العام غير مُعبّأ بالكامل

كما أن كلفة الرد الإيراني غير محتواة بالكامل في ما يتعلق بـ:

  • مضيق هرمز

  • القواعد الأميركية

  • الجبهتين اللبنانية واليمنية

لذلك، أميركا لا تضرب عندما لا تستطيع التحكم بتسلسل الردود.

سادسًا: ماذا تريد واشنطن الآن؟

نحن في مرحلة تصعيد إكراهي دون التزام بالحرب، وهدفه:

  • دفع إيران إلى التنازل

  • اختبار أعصابها

  • استدراج خطأ محسوب منها

متى تتحول المؤشرات إلى ضربة فعلية؟

إذا ظهر أحد هذه العناصر:

  • سحب جزئي للسفارات الأميركية

  • تحريك علني لحاملات طائرات إضافية مع خطاب رسمي موحّد

  • حدث أمني يُنسب إلى إيران (ولو بشكل غير مباشر)


ما يجري الآن ليس خدعة إعلامية ولا قرار حرب، بل مرحلة ضغط قصوى قبل القرار النهائي. وقد تنزلق الأمور سريعًا إلى انفجار واسع قد يطال الشرق الأوسط والعالم.

والسؤال الأخطر يبقى:
هل تبادر إيران بحرب استباقية ضد إسرائيل أو المصالح الأميركية؟

موقع بكرا احلى

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى