لبنان بين البقاء والتفكك… والسؤال: هل يبقى أصلًا؟


حسين خليل
لم يكن لبنان يومًا دولة عادية في هذه المنطقة، بل ساحة تتقاطع فيها المشاريع الكبرى. فمنذ الانقسام بين خط كميل شمعون المؤيد للغرب، وخط جمال عبد الناصر الداعم للمشروع القومي، دخل لبنان في مسار انقسامي عميق لم يكن داخليًا فقط، بل انعكاسًا لصراع إقليمي ودولي. هذا الانقسام، بتراكماته، أسهم في تفجير أولى حلقات الصراع الأهلي، وصولًا إلى الحرب الأهلية والتي كانت مصلحة اسرائيلية كبرى انتهت عام 1990، والتي خلّفت دمارًا واسعًا وأدّت إلى تراجع الدور الفاعل للبنان في محيطه.
واليوم، يعود المشهد نفسه، ولكن بأدوات أخطر ونتائج أكثر جذرية.
ما يجري منذ حرب 7 أكتوبر 2023 ليس حدثًا عابرًا، بل جزء من تحوّل إقليمي كبير، تُطرح فيه مشاريع لإعادة تشكيل المنطقة، من بينها ما يُتداول تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد”، والذي ارتبط في النقاشات السياسية بأسماء مثل توم براك.
هنا يجب التوقف عند نقطة خطيرة:
في بعض هذه الطروحات، لا يكون الهدف فقط تغيير توازنات الدول، بل إعادة تعريفها أساسًا—من دول قائمة على مؤسسات، إلى كيانات مفككة أقرب إلى “قبائل سياسية” متناحرة.
وفي هذا السياق، تصبح الحروب الأهلية ليست نتيجة فوضى… بل أداة.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه اللبنانيون اليوم، هو الانجرار إلى صراع داخلي جديد، تحت أي عنوان. لأن الانخراط في حرب أهلية، عن قصد أو كردّ فعل، قد يضع لبنان مباشرة في قلب هذا المسار التفكيكي.
لبنان، رغم كل علله، يبقى نقيضًا لهذا النموذج.
نقيضًا لفكرة التفكيك، ونقيضًا لمنطق إلغاء التعددية لصالح صراعات مفتوحة.
لكن هذا “النقيض” لا يسقط فقط من الخارج…
يسقط عندما يقتنع أبناؤه أن خلاصهم يكون عبر بعضهم البعض.
التجارب السابقة واضحة:
لا الولايات المتحدة ولا أي قوة أخرى تقدّم ضمانات دائمة. كل التحالفات مؤقتة، وكل الأدوات قابلة للاستبدال.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
أي طرف لبناني يعتقد أنه يمكن أن يربح حربًا أهلية… هو مخطئ.
وأي طرف يظن أنه سيكون خارج الخسارة… هو واهم.
إذا سقط لبنان، فلن يسقط على طائفة دون أخرى، بل سيسقط على الجميع.
لكن، وبقدر ما أن الخطر خارجي وداخلي، فإن المشكلة أيضًا تكمن في أداة الحكم نفسها.
لقد أثبت النظام السياسي القائم عجزه عن إدارة الأزمات أو إنتاج حلول. فالصيغة التي كرّسها اتفاق الطائف، رغم دورها في إنهاء الحرب، لم تعد كافية لضمان استقرار الدولة أو فعاليتها. بل تحوّلت، مع الوقت، إلى إطار يكرّس الشلل بدل أن يمنعه.
من هنا، لا يمكن مواجهة التحديات الحالية بالعقلية أو الأدوات نفسها.
إعادة النظر في النظام السياسي لم تعد ترفًا… بل ضرورة وجودية.
لكن هذه المراجعة لا تعني الهدم، بل البناء:
* بناء دولة قوية لا دولة محاصصة
* دولة عادلة لا دولة امتيازات
* دولة تحفظ الكيان لا تساوم عليه
* دولة تقوم على ثوابت وطنية واضحة يتفق عليها الجميع
ومن هنا، لا يكفي التحذير… بل يجب طرح البديل:
البديل هو الاتفاق، ولو على الحد الأدنى:
* حماية الكيان اللبناني وصيغته
* رفض الانجرار إلى أي اقتتال داخلي
* إعادة الاعتبار لمنطق الدولة، لا منطق الجماعات
* إطلاق نقاش جدي حول تطوير النظام السياسي
* والاحتكام إلى العقلانية بدل الغرائز
لأن الخيار اليوم لم يعد بين مشاريع سياسية مختلفة،
بل بين بقاء لبنان… أو تحوّله إلى ساحة صراع مفتوح بلا نهاية.
ان السؤال الحقيقي هنا لم يعد: من ينتصر؟
بل: هل يبقى لبنان أصلًا؟




