بأقلامهم

مَا أَشْبَهَ الأَمْسَ بِالْيَوْمِ وَمَا أَشْبَهَ أَشْبَاهَ الرِّجَالِ بِبَعْضِهِمْ عَلَى مَرِّ العُصُورِ

بقلم زينب عبد الكريم المصري

فِي تَارِيخِنَا الإِسْلَامِيِّ، هُنَاكَ حَادِثَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الحَوَادِثِ الَّتِي عَايَشَهَا المُؤْمِنُونَ، وَهِيَ حَادِثَةُ تَحَالُفِ أَبِي جَهْلٍ مَعَ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ ضِدَّ الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِهِ، بَعْدَمَا عَجَزَ عَنْ مُجَابَهَةِ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ الحُجَّةَ كَانَتْ أَبْلَغَ مِنَ الرَّأْيِ. وَلَكِنَّ حَقَارَةَ أَبِي جَهْلٍ جَعَلَتْهُ يَهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيُحَاوِلُ بِشَتَّى السُّبُلِ الإِيقَاعَ بِمَشْرُوعِ مُحَمَّدٍ، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ ضِدَّ مُحَمَّدٍ بِالشَّخْصِ، بَلْ كَانَ ضِدَّ مَشْرُوعِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ المَشْرُوعَ أَهَمُّ مِنَ الأَشْخَاصِ. وَالتَّارِيخُ طَالَمَا يُعِيدُ نَفْسَهُ، لِنَجِدَ مَنْ هُمْ أَشَدُّ حِقْدًا مِنْ أَبِي جَهْلٍ، وَأَشَدُّ شَرَاهَةً مِنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ حِينَمَا وُعِدَ بِمُلْكِ الرَّيِّ.

*وَالرَّيُّ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الرَّيُّ!*

فَالرَّيُّ فِي عَصْرِنَا وَمُجْتَمَعِنَا، يَا سَادَةُ يَا كِرَامُ، يُشَكِّلُ كَابُوسًا لَمْ نَسْتَفِقْ مِنْهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَنَيِّفٍ.

مُنْذُ سَنَةٍ وَنَيِّفٍ، وَمُلْكُ الرَّيِّ يَكَادُ يَغِيظُ صُدُورَ قَوْمٍ جَحَدُوا بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ، فَيَدَّعُونَ خَوْفَهُمْ عَلَى المَالِ العَامِّ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَالًا عَامًّا عِنْدَمَا كَانُوا يَسْتَخْدِمُونَهُ فِي إِحْيَاءِ حَفَلَاتِ الشُّعَرَاءِ وَتَكْرِيمَاتِ الأُدَبَاءِ!

أَمَّا عِنْدَمَا تَصِلُ الخَزِينَةُ إِلَى حَقِّ أَبْنَاءِ البَلْدَةِ فِي المَاءِ، تَقُومُ الدُّنْيَا وَلَا تَقْعُدُ عَلَى مُلْكِ الرَّيِّ، وَيَهْطُلُ عَلَيْنَا وَابِلٌ مِنَ الفَتَاوَى الَّتِي تُحَرِّمُ اسْتِخْدَامَ المَالِ العَامِّ فِي سَبِيلِ تَيْسِيرِ أُمُورِ أَبْنَاءِ البَلْدَةِ، لِنَرَى الفَاخُورِيَّ يَضَعُ “أُذُنَ الجَرَّةِ” أَيْنَمَا يُعْجِبُهُ، فَنُحَلِّلُ وَنُحَرِّمُ عَلَى أَهْوَائِنَا، وَيُصْبِحُ المَاءُ مُغْتَصَبًا لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

خِتَامًا، وَحَتَّى الرَّمَقِ الأَخِيرِ، وَحَتَّى عَظْمَةِ الظَّهْرِ الأَخِيرَةِ الَّتِي تَكَادُ تُسْحَقُ مِنْ وَقْعِ الدِّيسْكِ عَلَيْهَا: *لَنْ نَتَرَاجَعَ، وَلَنْ نَمْنَعَ أَبْنَاءَ بَلْدَتِنَا عَنِ المَشْرَعَةِ، كَمَا مُنِعَ الحُسَيْنُ وَصَحْبُهُ.*

مُسْتَحْضِرًا قَوْلَ العَقِيلَةِ، القَنَاةِ الإِعْلَامِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَخْفُتْ صَوْتُهَا مُنْذُ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِئَةِ سَنَةٍ:

*”كِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ، فَوَاللهِ لَنْ تَقْطَعَ المَاءَ عَنْ أَبْنَاءِ بَلْدَتِنَا مَا بَقِينَا وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.”*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى